أيمكن للذكريات أن تولد رواية؟

في قناعتي الشخصية، أن من أقوى أسباب الابداع هو الألم. لربما هي نظرة سوداوية، لكن اذا تأملنا الابداع من حولنا- في الأدب خصوصا- لرأينا تفرد وتميز أدب السجون والفقد وروايات ديستويفسكي. تلك التي تتصف بالألم والمشاعر المرّة، ديستويفسكي مثلا يصف لنا واقع النفس البشرية من خلال ألم جريمة القتل في روايته الجريمة والعقاب. 

بول أوستر.. وحكاية ألم جديد. عند قراءتي لمحتويات الغلاف، رأيتها معنونة بذكريات أو مذكرات، لكن أثناء قراءتي خُيل لي بأني أقرأ رواية غاية في الابداع. كل أسس الرواية متوفرة بها: أحداث، زمكان، شخصيات، حبكة. يصف بها أوستر حياته عقب موت والده والتأثيرات النفسية التي سببتها هذه الصدمة. عند قراءتي ألاحظ الخط الزمني المتضمن في داخل الحبكة بالإضافة إلى الحوارات الشخصية. أقتبس فكرة المترجم الذي يقول أن أوستر قد كتب قصيدته على شكل نص في مذكراته. 

أيمكن بأن كل شخص يعيش روايته الخاصة بكامل تفاصيلها وحبكاتها؟ تلك الرواية التاريخية التي ليس من الضرورة أن تكون مليئة بأحداث دراماتيكية. فأوستر جعل من موت والده مذكرات أدبية اسميها شعرية أيضا غاية في الابداع! أيمكننا البحث عن رواياتنا الخاصة بنا داخلنا ونخرجها للعالم؟ حينها أيمكن أن يثور أدب جديد للعالم؟ 

عزلة صاخبة جدًا

اللعنة، ليست لعنة واحدة فقط، بل عدد لا متناهي من اللعنات. بت عاجزًا، لا أقوى على الكلام والنطق. عقلي مليء بالمشاعر والأفكار، قريب من أن يتفجر. لكن لساني غير قادر على ترجمتها، أن يتحدث بها ويطلع العنان لقوتها. 

أحاول الثبات، أرغم نفسي بكذبة أنني قادر على الصمود. أحاول تصديقها، حقًا أحاول بكل ما تنتجه معدتي من طاقة. 

أعيش في مكعب فارغ، بداخله أنا وفقط أنا. كثافة المكعب هائلة تتمركز باكملها في الموقع الذي أنا به، فحجم الأفكار ثقيل جدًا. أقلت حجم، ألها حجم؟ لأنها تثقل رأسي، كم أتمنى التخلص منها، والحل الوحيد هو الخلاص من دماغي، الخلاص من رأسي. 

زوبعة، عاصفة في جوف الهدوء الذي أنا به، تمامًا كالرواية التي أقرأها حاليًا، عزلة صاخبة جدًا! لك أن تتخيل ألم والعذاب التي تسببه هذه العزلة. 

أرغم نفسي على أن أكون ايجابيًا وأتخطى هذه الصعوبات، لكني أدركت أنه سيكون الذنب الأعظم في حياتي لو سلكته. سأسير في هذه العاصفة، سأدعها تمزقني، تجرحني، تقطع جلدني، وأخرج منها كالخارج من حرب لا رحمة فيها. 

أريد وعقلي يريد وقلبي يريد، وكلنا خسرنا مانريد. 

الحفرة

مقزز، لا أستطيع التحمل.. بت كومةً من القذارة. حائر، لا أعرف كيف أتصرف، أن أقوى على النجاة في ظل هذه العقوبات التي تنزل علي من السماء تلو الأخرى. مر أسبوع، أسبوعان، لست متيقن فقد توقفت عن عد أيام احتجازي. اللعنة، رائحتي قذرة، وملابسي مليئة بالعرق والتراب، لم أعد قادرًا على احتمالها، أريد نزعها، لكن جسدي لن يقوى على حرارة الشمس، سيتقرح ثم أموت، أقلها بالعرق الذي يملئ ملابسي فيبقيني رطبًا. آه يا الرطب، كم أشتاق لتذوقك مرة أخرى، حلاوتك كانت انيسي في صحراء وحدتي. يؤلمني جسدي جدًا، فقد عانى أكثر مما يستحمل، ويا عجبي لقوة احتماله! لهيب الشمس وقت الظهيرة نوع من أنواع عذاب الآخرة. الآخرة! كم أتمنى لقاءها، كم أتوق لأهوالها، فهذه الحياة مسرحية هزلة. 

فترة طويلة، لا أعلم منذ متى، توقفت عن العد منذ فترة. رحالة لا أقوى على الجلوس في نفس المكان أسبوع على بعضه. أقلت أسبوع! ما علاقتي مع هذه الوحدة من الزمن! أسبوع ثم أطير أو أسبح لمكان آخر وعالم جديد، وكأن هناك عوالم! 

أثناء هبوطي من جبال كلمنجارو، الجبل العنيد الشاهق، الدي يرافق النجوم في لوحة السماء. استغرق مني الكثير والكثير لركوبه والهبوط منه، كدت افقد عيني ورأتي، لا افقه بالطب، ولكني كنت أود لو اتخلص منهم ذاك الوقت فيريحوني من عذابي. حين هبطت للسفح، بات في ذهني التحدي الأعظم بالنسبة لي أن أسير مشيًا على الأقدام في صحراء تنزانيا. استكشف عالمهم، وألج إلى الكهوف والأودية، علني أرى كنزًا أو ربما سحرًا، جنية شهية تتشكل لي كل يوم بما طاب لي من جسد، أو عفريتًا يقلب حياتي رأسًا على عقب. قررت أن استجمع قواي في منتجع بعد معاناتي القاسية من الجبل. جهزت معداتي، وعبوات الطعام والدخان والعرق الخاص بالرحلة، ثم بدأت مغامرتي. مسيرة أربعة أيام في قلب الصحراء كانت كافية حتى تصيبني لعنة الصحراء، تباً لها من لعنة وتبًا له من صحراء. سقطت في حفرة كان سقفها مغطى بسعف ورمل، قطاع طرق! لصوص! أيًا يكن، كلهم قح… 

نفدت كل العلب التي لدي بعد اليوم… آه كم مرة قلت أنيّ نسيت العد، رأسي يؤلمني، صداع لا يزول أحتاج النيكوتين. هلموا بسرعة وأسرقوا ماتريدون ودعوني أرحل، كانت هلوساتي واضحة فأنا أعلم جيدًا بأنهم سيتركوني أتعفن في هذه الحفرة حتى أموت ثم يسرقون كل شيء مني حد تعريتي من ملابسي، فوليد- الجمجمة التي بجانبي في الحفرة- قد أخبرني عن كل شيء. هو فلسطيني قد عاش في العراق وتزوج من مصرية، النكتة أنه مات في تنزانيا، رحالة في حياته ومماته هذا الولد الفلته. 

جائع، جائع جدًا.. مللت أكل الصراصير والديدان، يظنون أني فريسة سهلة لأموت في يومين؟ كنت أكل في اليوم عشر صراصير، واتقيء مرتين، هذا المعدل جعلني على قيد الحياة حتى الآن. كل خوفي أن يأتي اليوم الذي أكل به آخر صرصور فلا أجد شيئا يملئ معدتي وأموت. حينها لربما علي قطع يدي لأكلها، لكن محاولاتي اليومية في تسلق الحفرة ستنتهي، وإن قطعتها سيهرب الدم من جسدي وأموت قبل أن أنهي وجبة يدي اللذيذة، ولربما أتقزز من الطعم فأخسر الطعام واليد، ربما حينها يعجبني الطعم، فأتحول إلى آكل لحوم البشر وأسبب مجازر في الأرض، لما أسبب مجازر؟ أدع الدول تحارب بعضها وأنا أكل الجثث من ورائهم، لكن إن أحببت طعام البشر فلن أجد غيري في هذه الحفرة أكله، فأكل نفسي، وأكون حينها سبب موتي هو أنا وليس قطاع الطرق، فيسخروني مني ربما، وربما يمتلئون قهرًا أن الموت كان باختياري وليس طوعًا منهم، فأنا من أحدد مسيرة حياتي وليس هم، إن كنا جميعا نحددها! 

نباح! نباح بلا شك، لابد أن هنالك كلب قادم إلي. لكن قد يكون هم قطاع الطرق القذرين يريدون أن يتأكدوا من أن فريستهم لم تغادر المكان. جائع، كلي رجاء أن الكلب وحيد وضائع، حينها سأحببه إليّ ليهبط في الحفرة، فأكل وجبة لذيذة جدًا مليئة بالبروتين. ستكون يدي على ما يرام بلا شك، أنا أحبها، أحبها جدًا. لكن إلى أي مدى سيكفيني هذا الكلب! لربما لديه مالك فأوجهه ليأتيني به فينقذني من هذه الحفرة، فأشكره على انقاذي واكرمه بكامل ثروتي على عمله البطولي. نحن الفقراء كرماء رغم فقرنا، نعطي كل ما نملك لأننا نعشق الفقر، لا نقوى على العيش ولدينا زائد في حاجتنا، نعشق النقص في كل شيء، لربما حتى الإيمان في أني سأحيا بعد هذه الحفرة. أريده أكله، نباحه لذيذ جدًا، طعمه شهي، أراه أمامي قطعة من اللحم. لكن أريده أن ينقذني، أأثق به؟ أم أكله؟ أنه نباح نباح. 

وليد، ياوليد! أسمع، أتذكر عشتار التي حدثتك عنها؟ بالضبط، تلك التي هربت من البلاد لأجلها، منها عشقت الترحال. ليس لأنها رحالة أو تحب السفر، بل لأني كرهت الأرض التي تحتضنها. تقول لي لماذا؟ يا بني أظن أن الزهايمر قد أصابك، يجب أن تراجع طبيبًا، كم مرة أخبرتك عنها، أتريدنني أن أتألم اليوم ايضا! عشتار وما أدراك ما عشتار، سرقت قلبي كقصص الحب والغرام. اخرس، لن أقص عليك بطابع درامي، هذه المرة ال… آه كم مرة أخبرتك بأني نسيت العد. عشقت عشتار لأنها الفتاة الوحيدة التي عشقتها تصغرني سنًا. لما هي الوحيدة؟ لأن الفتايات الصغار لا يجيدون شيئا إلا البكاء، أراهن جاهلات لا يفقهن شيئا. على عكس من يكبررني سنًا فقد عشقت كثيرًا منهن، واستحوذت على قلوبهن وشبقهن. حقيقة لم أكن أريد الزواج من ولا واحدة، تلك تكبرني بعشر سنوات يارجل! عشتار آه يا عشتار. لا تكن غبيًا! بالطبع لا يمكن أن أبوح لها بجنوني، لست أنا الذي ينصاع لأمرأة ويسير ورائها. سأغويها، سأسحرها حتى تجن بي جنونًا، وتقول لي كل يوم: خذني، امتلكني، أنا ملكك أنا أحبك حبًا إن كان صراخًا ارتعدت له السماء واستيقظ من هم تحت التراب نيام. فأتجاهلها وامتنع عنها، حتى تتعذب. اعتصرها لآخر قطرة، حتى تقرر الانتحار ومفارقة الدنيا فأكون لها مخلصها العظيم. لا لست مغرورًا، أنا أحمق؟ سمني ما شئت فأنا أعشق كل الألقاب.

قررت الموت، لا بل قررت الانتحار. ما الفرق؟ فالنهاية سأقابل الآخرة! أريدها، أتحرق شوقًا لمعرفة هول الخوف والآهات المصاحبة لها من بكاء المتديين وهم يذكرونها. أريد أن أزورها وأسير في أرجائها، فأنا في نهاية الأمر رحالة. ستكون رحلة لها طابع مختلف. ربما تكون ممتعة، وربما أندم على زيارتي لها فلا أقوى على العودة للوطن. الحنين للوطن! آه ياوطن به عشتار أن يكون وطني. وليد ما رأيك أن نموت معًا؟ نزور الآخرة ونرى الجنة والجحيم. اسمعني أدرك جيدًا أنك مجنون، لأنك تفضل العيش في هذه الحياة. ماذا تريد منها يا أحمق! أسألك بالله، هل أنقذك أحد من هذه الحفرة أو تذكروك وشرعوا يبحثون عنك في هذه الأرض؟ سيقولون توفاه الله رحمه الله أقرأوا عليه الفاتحة وأدعوا الله أن يرزقه جناته. هكذا هم البشر يفقدون أملهم في أقرب فرصة تنجيهم من التمسك بشيء يشغل تفكيرهم. هم كسالى فتبًا لهم، وتبًا لمن جمعنا في هذه الحفرة، وتبًا لي وتبًا لك. 

حلم

معقدة، لا زالت الناس تصفني كلما استمررت بالحديث معهم مدة. يظنوني شارفت على الجنون، أو أن مس من الجن بات يعيش داخلي، يحاول نفر الناس مني، وأن يمتلكني لوحده. يباغت الناس فيحادثهم على لساني حتى يهربوا مني، ويكيلون للزمن باللعنات على القدر الذي جمعهم بي. تحدثني إحدى صديقاتي ذات مرة، فتقول لي: تجمعين الأضداد بداخلك، ناعمة وقاسية، جميلة ومتوحشة، هادئة وبركان منفجر. أُقدر اهتمامها بي، ولكن ما أن يطيل حديثنا حتى أبحث عن مخرج لأعود إلى عزلتي التي تريحني. تعلم جيدًا حينما أبحث عن مخرج، تحاول مغاورتي لكنها تفشل بالنهاية، تعلم أني هكذا منذ ولدت ولن أتغير. 


أعيش وحدي في منطقة بعيدة عن أهلي، قد تظنونه ممكنا لو كان فتى من يحكي هذه القصة، لكن أن تكون فتاة في العشرينات من عمرها فهو الجنون بعينه. في مجتمع يقمع المرأة ويمنع حريتها تمامًا، أسير وحيدة في الشوارع التي يملأها المتحرشون، بل أن اطلب أوبر يوميًا لأحاول أن أعيش حياةً طبيعية سُلبت مني. 


غرفتي هادئة جدًا، جدرانها الزرقاء مملوءة بملصقات ميكي ماوس، ملتصقة بالجدران مكتبي الذي يحتوي على تماثيل لأبطال ديزني، يقابله مكتبتي المتخصصة بالروايات. تنير غرفتي إنارة صغيرة بالإضافة إلى إضاءة حاسوبي. أعشق تفاصيل غرفتي الباردة، الناعسة، المشبعة بعطري والبخور الذي أُشعله قبل خروجي للعمل. على الرغم من أن كامل الشقة لي وحدي، إلا أنها عزلتي الخاصة ومنطقة راحتي، حيث بإمكاني التفكير بها كيفما أشاء. أنهي عملي المتراكم من ضغط العمل، اصطحبه معي على سريري الذي هو مقر نومي وطاولة طعامي وكنب السينما خاصتي. في زاوية الغرفة مرآة خجولة، أتأمل قصري بها كل صباح قبل أن يحادثني سائق أوبر معلنًا وصوله، أرتب شعري الكستنائي على عجاله فأربطه بأكمله، فما فائدة نشره على ظهري إن كنت بالعباءة دائما في مقر عمل كله ذكور إلا مني. أحادث نفسي عبر المرآة: ‏الله لو بابي على بابك وأهالينا احباب، الله لو كنا في زمان غير هالزمان، الله لو أعيش حياة ماترفض علي أدفع ثمن أنوثتي. ارمي بتكاسل عباءتي على جسدي، وأخفي بها شعري إلا من خصلات، لأن إظهاره باب جهنم، أخفي به مفاتني لأنهم يخافون من أن تثور عليهم حيواناتهم المنوية وتنقلب ضدهم.  

أجمع أغراضي استعدادًا للمغادرة، أبحث عن هاتفي، أجده ملقى على سريري. أقرأ الاشعارات على شطح الشاشة قبل شروعي لإغلاق باب الشقة. 


“زمان عنك يامتغلية.”

“زعلانة مني؟ ليه ساحبة علي!”

“أنا سويت لك شيء غلط؟”

“إلى أحلام… “


أتأمل العبارات تلو الأخرى من مختلف الأشخاص، فأرفع كعادتي عيني للأعلى مقابل ثبات الوجه يرافقه علامات تأفف بسيطة تحيي الشفاه.


سيارة كامري بيضاء اللون، كراسي جلدية مغلفة، نوافذ ذو تظليل عازل خفيف في الأمام وقوي في الخلف. شاب في العشرينات، أصلع ويملك لحية كثيفة جدًا. تمامًا كما هو مسجل في معلومات السائق على البرنامج. حيّيته بلطف وبادلني التحية. تحية ثم انقطاع تام للحديث، نصمت فترة من الزمن، فيحاول هو أن يقتل الصمت فيشغل من قائمة أغانينه لراشد الماجد. مع أني أفضل جوليا بطرس أو فايا يونان، إلا أنه إن كان راشد الماجد سيمنع الصمت عوضًا عن حديثنا فهو يقدم إلي معروفًا كبيرًا لا أقدر على رد جميله. أتأمل المدينة من نافذة السيارة الواقفة بسبب الازدحام الخانق، كل الموظفين يضطرون لأن يسلكوا هذا الشارع الرئيسي للوصول إلى مقر عملهم. السماء الصافية الزرقاء بالكامل، الشمس التي تفرض حضورها بقوة. الضوضاء نتيجة انزعاج الناس والتذمر من التأخر عن الوصول للعمل. الكثير من الأعين، كلها تنظر إلي، في مساحة صغيرة عدد كبير من البشر، متى يختفون عن مد بصري، متى لا استمع لهم، حقًا هم خانقون. 


أدخل عبر البوابة مقر العمل، بناية شاهقة غلافها زجاجي وباطنها تركيب لتُشيد بأسرع وقت، يعلم الله وحده ما سيحصل لها إن هبت رياح شديدة أو هبطت أمطار غزيرة. ضوء أخضر يرمز إلى أني سليمة من كل الأدوات الخطرة التي يفحصها الجهاز المركب بعد الممر مباشرة. حياني رجل الأمن بابتسامة بسيطة تعكس بساطة معيشتة ومرتبه الذي لا يحتمل إنجاب ابن آخر. مررت بطاقتي لأسجل دخولي ثم صعدت المصعد إلى الطابق الخامس، طابق مكتبي. أمشي بين الممرات فيحيني فلان ثم يبتسم ويصّبح في وجهي فلان غيره، يتمنى لي صباح جميل ذاك الآخر، أرد عليهم بابتسامة متصنعة لمعرفة أن تصرفهم له سبب وحيد، الأنثى الوحيدة في هذا الطابق. من الفترض أن تعيش كملكة هنا، وأوامرها تُنفذ بدون استثناء. أفتح باب مكتبي، مكتبي لي وحدي فأنا الوحيدة من تملك مكتبًا بدون شريك. مكتب فوقه فوضى وبرنامج حاسوب من شركة ابل، وايباد من أجدد الأنواع مركون إلى جانبه، بالإضافة إلى مودم انترنت من الألياف البصرية يُستعمل من قبلي فقط. يرافق المكتب مكتبة ملفات لأجل الأرشيف وأوراق العمل، و كنبتين من أفخم الأنواع لاستقبال الضيوف، وطاولة مجهزة بأجود أنواع القهوة. يطل مكتبي على حديقة تتوسطها بحيرة صناعية، لو أن المبنى فندق لكان مكتبي أفضل جناح يُقدم. نزعت عباءتي وغطائي، وضعتهم في مكان ما، لا أهتم بهم في حقيقة الأمر. تربعت على كرسي المكتب مقابل حاسوبي استعدادًا للعمل المتعب. أخرجت هاتفي قبل البدء لأقرأ بعض الرسائل. 


” إلى أحلام 

يا حلمي، أيتها الملاك الساكن بين الإنس والجان. مسائك مسك وعنبر وريحان، وأصوات فايا ومارسيل وفيروز، وأفلام ديزني وميكي ماوس. كم اشتقت إليك يا عنيدة! لربما اندفاعي ومصارحتي لك هي سبب ما وصلت إليه حالنا الآن، فأنا أعلم جيدًا أنك تمقتين أن تكوني مع الشخص نفسه فترة طويلة من الزمن، فحتى عائلتك تنفرين منهم في إجازاتك الطويلة. يا حلمي الجميل، لربما مصارحتي لك بحبي البريء كان رصاصًا في جسد صداقتنا فمزق جسده، فأنت تحافظين على مسافة واسعة بينك ولين كل البشر سواء المقروبون أو البعيدون. أنتِ لا تريدين القرب من أحد، أن يضعك بين أحضانه، وأن يهمس لك كم أنتِ فاتنة. ألم أحكي لكِ مرارًا عن فتنة عيناك! تلك الكرتان الزجاجيتان اللماعتان، شعوذة سَاحِر ليسلط سحره من بعيد. عيناك البنيتان سلاح يسقط جيش كامل برمش واحد. حلم، أيتها المدللة، لا أخفيك بأني أدرك جيدًا عنادك، ومسؤوليتك تجاه قراراتك، وعقلك الرزين أمام المشاكل والمحن التي تمرين بها. ولكن أريدك في هذه المسألة بالذات أن تستعملي قلبك الذي هجرتيه وعاقبتيه بالبُعد عم استعماله، فهاهو مليء بخيوط العناكب والغبار. حلمي الوحيد، أترجاك أن تكوني واقعا ينير ضياء عتمتي، فمنذ ذلك اليوم الذي رأيت فيه تموج شعرك وأنا أغرق في موج المحيط. كوني لقلبي وردة ولا تكوني شوكه.


فؤاد.”


يالله! لما أحتمل هذا الكم من العلاقات. وضعت الجوال جانبًا، ثم انهمكت في العمل حتى ساعة متأخرة. وزن المعادلات، ضبط الحرارة والضغط، الاهتمام بتوازن الكتلة والطاقة. كلها أمور يجب أن تُؤخذ بالحسبان. مرت عشر دقائق منذ إعلان الساعة عن استراحة الغذاء، حينها طُرق الباب.

“حابه أجيب لك غداء معي، رايحين عالفود كورت؟” كان زميلي أسعد 

” على ذوقك، شكرًا أسعد.”


هذا الكم الهائل من العلاقات يوترني، يجعلني متعبة من فرط البحث عن متنفس، أحاول أن أكون وحيدة قدر ما أحب، لكن العالم يعاندني كثيرًا. هذا العالم البائس، منذ ولدت وأنا مسلوبة، بل تُفرض علي أوامر تجعلني أكره الحياة أكثر. تخالطني مشاعر ورغبة بالموت، أفكر كثيرًا بما يحدث لي، ولما يحدث! بت أعتمد على نفسي منذ تزوج أبي امرأته الثانية عندما كنت في المرحلة المتوسطة، مرحلة مراهقتي! بعد العز والدلال الذي كان يحيطه بي، سُلبت مني هذه السعادة. كلما طالبته بالمال لألبي مطالب دراستي كانت ردوده جافة جدًا.

“اعتمدي على نفسك ماعندي فلوس.”

“دبري نفسك أنا زين أكل لي حاجة.”


المؤلم هو أنه كلما نطق بهذه الردود التي أصبح يحفظها من كثرة تكراره لها، يسافر إلى مناطق لا أعلم متى وُجدت وأين هي! بات الاعتماد على نفسي ضروري جدًا وإلا فالموت أولى. ترقبت من الدنيا حياة، فأعطتني موتًا قبل مماتي. 

“تفضلي، أحلى وجبة لأحلى إنسانة في هالقسم.”

“شكرًا يانظر عيني.”





فراشة تحلق في العتمة

صباح الخير، أما قبلها 

تزداد حرارة رأسي تدريجيا، أشعر بالدوار، العالم يؤلمني حقًا، أود الراحة ولا شيء سواها. لربما أهذي من آثاره، أو أدندن بأغنيات غير مفهومة، لربما أجد حلًا لمسألة رياضية معقدة ثم أنام وانساها. أسير في ممر مظلم، مظلم جدًا.. أعشق العتمة كثيرًا، أظنني انتمي إليها، كخفاش يهاب البشر وأصواتهم ودقات قلوبهم. أسير وحيدًا، أحادث نفسي، ابحث عن متنفس. أجد مخلوقًا غريبًا، فراشة مضيئة زرقاء اللون. اذا بها تكون لوحة وددت لو كنت رسامًا فاستلهمها. من أمام العتمة تضيء لنا بجمالها ورونقها. تتأملني في المقابل، تنظر إلي كما أنظر إليها، تقول لي: لما يعشق الإنسان التكسير والخراب؟ أهي فطرة لكم ألا تبقوا على شيء كما هو عليه، فتغارون من الكمال وماهو أعلى منكم، أم أنكم تريدون استصغار كل شيء لتزيدوا من قصر علوكم، تأملني جيدًا وحدق في جناحي، ستجده أحداه محطما منكم، أنتم من تسببتم بأذى من لا حول له ولا قوة. هل أقدر أن امسك سلاحا واسفك الدماء به؟ أم أن أعبث في الأرض فسادًا؟ 

تأملتها كما أرادت فتبادرت في ذهني بعض العبارات أظنها كانت تستمع إلي وأنا أرددها بداخلي: لا أراك إلا بأجنحة بيضاء كاملة، وإن أردت التحديق بك رفعت رأسي للسماء. كذبت على نفسك حين قلتي تحطمت أجنحتي، فما أراك إلا ضياء مشعًا ينير عتمي التي ترافقني في مسيري. فإن طننت أن هذا المكان مناسب لك فأنت في غفلة عن نفسك. لا أتوقعك فراشة عادية، لربما هذياني يكون صورتك أمامي، لكن لو أن وجودك حقيقُُ فإني أجدك بين بساتين الجنة. تستحقين أكثر من التجوال في العتمة، والبحث عن البشر لتشكي لهم حالتك وتعاتبيهم، فهم حيوانات إن جاعوا لافترسوك مادمت أمامهم. سأغمض عيناي الآن، وحين افتحهما أتمنى أن لا أعي هل هما مفتحوتان الآن أم باغتني النوم وبت في عالم الأحلام. 

كثقب أسود

مرعب، كثقب أسود. يحوم حولي، يحاول الإطاحة بي، ينتظر اللحظة المناسبة لينقض علي، يراقبني من بعيد لكن عيناه قريبة جدًا مني. يتأملي ويتلذذ بذلك، يشعر بأقصى درجات النشوة، يترقب اللحظة المناسبة. عواء كلب، نباح ذئب، رعب الصمت، الخوف من العتمة. كأنني أعمى مربطة عيناه، أو ابكم مقطوع لسانه، او اصم والمسامير تدق طبلتاه. أركض بلا أرجل، أحاول الهرب، أن أتدارك قدري المحتوم، كأني نملة يتأملها فلاح. أذناب ملائكة، أجنحة شياطين، حمم المطر، غيث البركان. قلبي ينبض، بسرعة وبقوة، يحطم عظام قفصي الصدري، يحاول الهروب من جسدي، يبدأ بقطع الأوردة والشرايين، يبحث عن طريقة لتتحرر الروح من الجسد. بكاء السمك، ضحكات الفيلة، غضب السلحفاة. فوضى، لا عقلانية.. غير قادر على التصديق، يُعتصر دماغي، تتشابك المعلومات والأعصاب، الذكريات والدماء، الحزن والخلايا. أسير بأطراف أصابعي على خيط عتيق، ينقصه طول نملة لينقطع، إما الانتحار أو الغاية.